يتميز الأطفال بأحلامهم الجميلة والبريئة واستأذن القارئ الكريم في دعوته لاستكشاف واحد من أهم أحلامهم وهو الاشتراك في بناء مدنهم ومبانيهم المختلفة حتى تنشأ علاقة حب وانتماء مع كل بقعة من وطنهم الغالي.
يتميز الأطفال بأحلامهم الجميلة والبريئة واستأذن القارئ الكريم في دعوته لاستكشاف واحد من أهم أحلامهم وهو الاشتراك في بناء مدنهم ومبانيهم المختلفة حتى تنشأ علاقة حب وانتماء مع كل بقعة من وطنهم الغالي. قد يندهش الكثيرين من أن التعريف العلمي لكلمة طفل وتبعًا لمحددات الأمم المتحدة، تضم الفئة العمرية من (0-18) عامًا، كما يستمر اندهاشنا حين يفقد الطفل أهميته في مجتمعات الدول العربية، بالرغم من كونه الفئة الأكثر عددًا بسبب معدلات النمو العالية فيها. حيث يشكل الأطفال في العالم العربي نسبة متوسطة تقارب 60% من إجمالي عدد السكان وهو جزء لا يمكن الاستهانة به مطلقًا كمكون من مكونات المجتمع. هنا يبرز التساؤل؛ لماذا تخطط المدن في العالم العربي دون الالتفات إلى احتياجات الأطفال ومتطلباتهم في مدينتهم؟ ولماذا نجبرهم على الالتزام بمعايير تخطيطية تم صياغتها للبالغين؟ والأكثر أهمية، كيف يمكن أن تتحول المدن إلى مدن صديقة للطفل؟
يعاني الطفل العربي مما يعرف بأمراض التحضر، فخطورة إهمال مكان للطفل في المدينة لا يرتبط فقط بحساسية الأطفال وسرعة تأثرهم بالأمراض والمخاطر البيئية، بل إنه يهدد مستقبلهم وبالتالي مستقبل بلادهم. إن كل المشاهد حولنا في العالم العربي تشير إلى أن الطفل المعاصر أصبح أسيرًا للشاشة بكل أنواعها: شاشة التلفاز والكومبيوتر والسينما والموبيل وألعاب الفيديو وقلت علاقته بالهواء النقي والفراغات الحدائقية والضوء الطبيعي واللون الأخضر، وازدادت معدلات السمنة إلى نسب غير مسبوقة، بل إن بلد خليجي واعد مثل الكويت به أعلى نسبة بدانة اطفال في العالم .
مستويات التعامل مع الطفل وعلاقته بالتخطيط العمراني والعمارة
المستوى الأول: خدمات الأطفال وتوزيعها
حتمية توفير الخدمات التي يحتاجها الطفل كالمدارس ودور الحضانة والمراكز الثقافية والصالات الرياضية والمكتبات ومسارح الطفل ومتاحفه والحدائق وأماكن اللعب ومستشفيات الطفل ومراكزه الصحية ومؤسسات رعاية الأطفال وغيرها، إضافة إلى خدمات ملحقة بالمدينة وبمبانيها كأقسام الأطفال في المستشفيات الكبرى وأقسام بحوث الأطفال في مراكز الدراسات والجامعات. أن لهذه الخدمات معايير غالبًا ما تكون مختلفة عما يقابلها من خدمات للبالغين، من أهمها المسافة التي تفصلها عن الأحياء السكنية المحيطة بها.
المستوى الثاني: حركة الطفل في المدينة
كل الخدمات المقدمة للطفل في المدينة يجب أن تتواجد في نطاق شبكة مرور آمنة، لا يحتاج فيها الطفل إلى استخدام وسائل نقل معينة بل يمكن بلوغها ضمن مسارات مشاة آمنة بعيدة عن حركة السيارات. فمن يملك الأولوية في مدننا، المشاة وخاصة الطفل؟ أم السيارة؟ هل من الممكن للأطفال من أن تتفاعل مع المدينة بأمان واستقلالية دون الاعتماد على البالغين وإلى أي مدى تساعد أو تعوق المدينة وجود الأطفال في فراغاتها وشوارعها وأحيزتها.
المستوى الثالث: استعمال الطفل لفراغات المدينة وفضاءاتها
أهمية الحضور الفعلي للطفل في مجمل النسيج العمراني للمدينة، وفي الشكل العام لمكونات المدينة ومبانيها وكذلك في التفاصيل الصغيرة والكبيرة في كل مرافق المدينة التي من المحتمل أن يكون الطفل أحد مستخدميها. ولكن هذا المستوى يتطلب مسحًا شاملاً لكل أجزاء المدينة ومحاولة تطبيعها لتكون ملائمة ومنسجمة مع مقدرات الطفل الجسدية والعقلية. ومن ذلك، إعادة النظر في تصميم شبكة الحركة والنقل لتكون آمنة ومريحة للطفل، والسيطرة على مستويات الصوت والإنارة فيها، واستخدام وسائل النقل الملائمة لذلك، وإيجاد مسارات المشي والدراجات الهوائية، وتأثيث الفراغات. كما يتطلب مسحًا للمباني ووظائفها وطريقة توزيعها، والمسافات الفاصلة فيما بينها، وتشمل دراسة للفضاءات المفتوحة في المدينة وسبل استخدامها ومدى إمكانية استغلالها من قبل الطفل.
مشاركة الأطفال في العملية التخطيطية
لقد أدهش الأطفال الكثير من خبراء التخطيط والتنمية بآرائهم المبدعة والناضجة عندما أتيحت لهم الفرصة للمشاركة الفعالة في تصميم وتخطيط بيئاتهم ومدنهم، بل إن بعض هؤلاء الخبراء أقروا بأن تلك الأفكار والأطروحات التي قدمها الأطفال كان من الاستحالة ان يقترحها البالغين برؤيتهم المحدودة والمرتبطة بالواقع عكس الأطفال المحلقين في عوالم الخيال والإبداع. لقد أصدرت منظمة «اليونيسف» تحذيرًا عنونته "المدن تخذل الأطفال"، ونبهت إلى ضرورة إعادة توجيه العملية التخطيطية والعمرانية لتستجيب لمتطلبات أطفال القرن الحادي والعشرين وأهمية إدماج الطفل كشريك رئيسي في العملية التخطيطية للمدن المعاصرة، وصياغة دور الطفل في تخطيط مستقبل المدينة يتمثل في مشاركته في اتخاذ القرارات التخطيطية والتصميمية واعتبار وجهة نظرة كمستعمل أساسي للمدينة ومنتمي إليها.
ومن خلال وسائل معينة ودراسات وبحوث خاصة بالطفل واحصاءات واقعية معاصرة للتخطيط يمكن معرفة الآراء الواقعية للطفل ورغباته الحقيقية وطموحاته لمدينته. هناك وسائل وطرق بحثية جديدة تبلورت مؤخرًا لدراسة آراء الأطفال لتضمينها في الدراسات التمهيدية قبل البدء بالتصميم والتخطيط. من هذه الطرق ما تسمى برسم "الخرائط العقلية الإدراكية" والتي تتطلب متابعة الطفل ومعرفة نقاط حركته وتنقله خلال المدينة دون التأثير عليه. ومن الطرق المتبعة أيضًا "طريقة التجول مع الأطفال في المدينة" يرافق فيها الباحث المحلل، الطفل في مسارات معينة ومراقبة كل أفعاله وتصرفاته لفهم كيفية تعامله مع المدينة ومحتوياتها وفراغاتها وأيها يمثل الأهمية الأكبر للطفل.
إن تحول المدن العربية إلى مدن صديقة للطفل يجب أن يرى كهدف استراتيجي للتنمية. فالسماح للأطفال بالتفاعل الايجابي مع مدنهم لن يحسن فقط قدراتهم الجسمانية والعقلية والعاطفية، ولكنه سيساهم أيضًا في خلق إحساس قوي وصادق بالانتماء والولاء لبلادهم. هذا الإحساس المطلوب توافره للغاية في أجيالنا الجديدة التي تعيش في عالم ما بعد العولمة وفي مجتمع متعدد ومفتوح ومرحب بالآخر.