من تجميل المدن إلى خلق أنماط للحياة: تحولات في مفاهيم تنسيق المدن

لم يعد مفهوم تنسيق المواقع وتخضير وتجميل المدن «City Landscape» قاصرًا على إضافة بعض اللمسات التجميلية التي تضيف إلى القيمة البصرية للمدينة، فقد أصبح تجميل المدن والشوارع يتجاوز مفهوم زرع الأشجار وإنارة الشوارع وأعمال النظافة والصيانة،.

لم يعد مفهوم تنسيق المواقع وتخضير وتجميل المدن «City Landscape» قاصرًا على إضافة بعض اللمسات التجميلية التي تضيف إلى القيمة البصرية للمدينة، فقد أصبح تجميل المدن والشوارع يتجاوز مفهوم زرع الأشجار وإنارة الشوارع وأعمال النظافة والصيانة، وأصبح الطابع الجمالي الشمولي المنعكس في تصميمات الشوارع والميادين وتنسيق المواقع وواجهات وألوان المباني وعلاقته بحياة السكان والزوار وأنشطتهم ضرورة جوهرية في تخطيط المدن، فقد شهدت المدن المعاصرة في العقد الأخير، وخاصةً مع تبلور مفاهيم الاستدامة والمدن الخضراء، توجهًا نحو إعادة صياغة مفهوم تنسيق المواقع وتجميل المدن.

إن المفهوم القديم كان يعتمد على استخدام الأشجار والنباتات بأنواعها المختلفة وتشكيلاتها المتعددة «Soft Landscape» وكذلك العناصر المائية في إضفاء ملامح جمالية للمدينة المعاصرة. ويهدف تطوير وتجميل المدن، إلى تحسين مظهر الميادين والشوارع الرئيسية ومراعاة جماليات النصب التذكارية وأعمدة الإنارة والمقاعد واللوحات الإرشادية ولوحات الإعلانات المسموح بها في إطار الصورة البصرية المدروسة، بالإضافة إلى معالجة بعض المباني بصريًا مع مراعاة الأصول المعمارية والفنية.

ولكن التحول الذي حدث في العشر سنوات الأخيرة يبلور أن الأبعاد الجمالية الحقيقية في المدينة هي التي تؤدي إلى تحسين نوعية الحياة بها «Quality of Life». هذه الأبعاد التي تجعل المدينة مشجعة على الحياة والسكن والعمل والإنتاج، بل والإبداع والابتكار. لقد تحولت المدينة من نطاق لزرع الأشجار بغرض مجرد التجميل إلى مجموعات من الفراغات الخضراء المفعمة بالحياة التي تساعد طبقات وقطاعات مختلفة من مجتمع المدينة على التواصل والتفاعل.

لقد أصبحت شوارع المدينة المظللة بالأشجار والمزينة بالورود، شرايين لحركة المشاة ومسطحات لامتدادات المطاعم الصغيرة والمقاهي التي تحقق لأفراد المجتمع فرصة التمتع بمدينتهم وأن يروا من حولهم وأن يراهم الآخرون. كما إنها أصبحت ساحات لعرض فنون وابداعات النحاتين والتشكيليين، حتى العناصر المائية «Water Elements» وخاصةً النافورات والبحيرات لم تعد عناصر مائية جمالية استاتيكية، وإنما مجالات لتفاعل أفراد المجتمع، وخاصةً الأطفال الذين يتفاعلون ويلعبون حول نافورات المدينة ومسطحاتها المائية. هذه العروض المائية تتوافق مع العروض الموسيقية أو الضوئية أو كلاهما وتخلق طابعًا مميزًا يستقطب السكان والسائحين كما هو الحال في مدينة دبي التي أنشأت نافورة شديدة التميز حول برج خليفة أطول مبنى في العالم، وهذه النافورة بعروضها المائية الضوئية الموسيقية المثيرة تستقطب عشرات الألوف كل يوم من سكان دبي وزوارها.

من جهة أخرى فقد شهد الجانب الآخر أو المقوم المكمل من عملية تنسيق المواقع والمعروف بالتنسيق الصلب «Hard Landscape» العديد من التحولات المهمة في أساليبه وأهدافه، فقد تحولت كل العناصر الموجودة في شوارع وفراغات وميادين المدينة إلى عناصر وقيم تلعب أدوارًا هامة في تشكيل اللوحة الجمالية الحياتية النهائية للمدينة. لقد انتشرت بشوارع المدن أعمدة الإضاءة المباشرة وغير المباشرة والملونة أحيانا لإضفاء طابع جمالي وتشكيلي على روح المدينة في المساء والليل.

كما تنوعت تصميمات المقاعد الثابتة المشجعة على التواصل والتجمع واستخدام شوارع المدينة وفراغاتها المفتوحة، وانتشرت اللافتات واللوحات الإرشادية وخرائط المدينة، وكذلك تنسيق الأرضيات وممرات الحركة واستخدام المواد ذات الملامس والقيم اللونية المختلفة. كما أصبح للفن مكانة هامة في تجميل المدينة ورفع وعي سكانها الجمالي وحسهم الفني فانتشرت فكرة الفن العام «Public Art» وخاصة الأعمال النحتية كبيرة المقياس التي تتداخل مع باقي مكونات الفراغ العمراني من أشجار وإضاءة ومقاعد وتركيبة لونية.

من المجدي أيضًا في هذا السياق أن نشير إلى أن تجميل المدينة وحيويتها أصبح مسئولية جماعية من سكان ينتمون إلى مدينتهم ويفخرون بها ويكفي أن نتأمل رد فعل طفل في أوروبا أو أمريكا نحو من يلقي قمامة أو يقطف زهرة فيدافع عنها كأنه ممتلكاته الخاصة، لذا يجب أن يكون تجميل المدينة بمفهومه الشمولي مشروعًا قوميًا تشارك فيه كل الأطراف من الجهات التنفيذية والوزارات والخبراء والأكاديميين في مجالات التخطيط والعمران وتنسيق المواقع والعمارة لوضع تصور وخطة عمل لتطوير الطابع الجمالي بالمدن والشوارع والميادين، حتى على مستوى الشوارع.

اذكر رحلة علمية بحثية في بلجيكا، زرت خلالها ثلاث مدن وهي بروكسل ولوفن وانتورب حيث قمت بعمل محاضرات عامة في الجامعات ولقاءات مع الباحثين في برامج الدراسات العليا، وتعد القيمة الأهم البارزة في المدن الثلاث هي صداقتها الحميمة للإنسان. كل شوارع المدينة وميادينها وفراغاتها مجندة من أجل تجربة مكانية جميلة للإنسان «الرجل والمرأة والطفل والمسن وحتى أصحاب الاحتياجات الخاصة».

تذكرت وأنا أتجول في شوارع المدن الثلاث وجدت الكتاب الرائع «تصميم الشوارع: السر لمدن ومستقرات عظيمة». التساؤلات الهامة التي كنت أطرحها على نفسي في تجوالي المستمر بشوارع وميادين المدن الثلاث: ما هي العوامل التي تجعل بعض الشوارع جميلة وعظيمة ومحبوبة من سكان المدينة وزوارها؟ لماذا ننجذب إلى بعض الشوارع ونحبها ونتذكرها ونعاود زيارتها ولا نشعر بنفس المشاعر مع شوارع أخرى؟ وهل حقا أن هذه الشوارع تجعل المدينة كلها افضل وأجمل وأكثر قربًا من الانسان؟

يتوجه العالم الآن إلى فن وتطبيق تصميم شوارع صديقة للإنسان، وبإيمان كامل بأن الشوارع الجميلة بل بالعظيمة هي السر الأكبر والأهم في تصميم وتخطيط مدن ومستقرات جميلة وعظيمة. هذا التوجه العالمي الذي يتحكم الآن بقوة في بعض أدبيات العمران والتخطيط والمؤتمرات المهمة ويعني بفكرة خلق شوارع للإنسان وليس للسيارة، وأهمية التعامل مع الشارع كشريان للحياة الانسانية ومسرح لأحداثها بدلاً من أن يكون مجرد محور مروري يحتفي بالسيارات ويمجدها، إذن القضية ليست فقط وجود ممر للدراجات أو ممر للمشاة، إنها نظرة أكثر شمولاً على الشارع وكيف يصبح مفعم بالأنشطة ومحفز على الحركة ومفعل للتواصل المجتمعي.