مدن الانسان: تحديات تنمية المدن المعاصرة

لم يعد الاهتمام بالبيئة ومواجهة الأخطار الناجمة عن التدهور البيئي «Environmental Deterioration» ترفًا، ولكنها أصبحت حقيقيةً وتحديًا أساسيًا في صياغة مستقبل البشرية والتنمية محليًا وإقليميًا وعالميًا

لم يعد الاهتمام بالبيئة ومواجهة الأخطار الناجمة عن التدهور البيئي «Environmental Deterioration» ترفًا، ولكنها أصبحت حقيقيةً وتحديًا أساسيًا في صياغة مستقبل البشرية والتنمية محليًا وإقليميًا وعالميًا. وفي اللحظة المعاصرة أصبحت المدن موطن قرابة نصف سكان العالم وتتوقع منظمات الأمم المتحدة المزيد من التحضر المتسارع في العقود القادمة. والمدينة كسياق اجتماعي، هي مؤسسة بشرية يتعين تنظيمها وتسييرها لتحقيق الانسجام الاجتماعي و انسجام الظروف الحياتية لسكانها، ونظرًا لأهمية الحياة الحضرية؛ تزايد الاهتمام بقضايا المدن وطنيًا وإقليميًا ودوليًا، وتتنوع الاجتهادات حول مشكلات المدن المختلفة واستحداث مواثيق وقوانين وطنية وأخرى دولية لجعل الحياة بالمدن أكثر راحة وربطها بالتنمية المستدامة.

وقد تجاهلت المدن العربية ولوقت طويل، الأبعاد البيئية والإنسانية في مخططاتها العمرانية واندفعت إلى سباق تنموي أسقطت منه معايير ترتبط بحقيقة أن المدينة هي نطاق للحياة الآمنة المنتجة والممتعة تسمح بتجاور واستيعاب قطاعات متعددة ومتنوعة من المجتمع الإنساني كالأطفال والبالغين والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة. وفي إطار مفاهيم التحديث تبنت مدن العربية السيارة كأسلوب متطور للانتقال داخل المدن إلا أن السيارة جلبت معها العديد من السلبيات التي أثرت على الحياة العمرانية وأصبحت مصدرًا للعديد من المشاكل البيئية والاجتماعية وأيضًا الجمالية منها تهديد وإنهاء انساق حياة الشارع التقليدية وعزل الأفراد وتفكيك النسيج الاجتماعي للجماعات الإنسانية، يضاف إلى ذلك ضعف بل تقلص دور الفراغ العام وخاصة الحدائق والمتنزهات والميادين والساحات.

التحول المطلوب هو التوجه نحو أنسنة المدن، وهي عملية تنموية وتخطيطية متكاملة تهدف لجعل المدن أكثر ملاءمة للإنسان، يشعر فيها أنه يعيش في مدينة صديقة له، ينتمي لها، مدينة ترعاه وتحفزه وتمتعه بمراحل حياته المختلفة وتجعله مطمئنًا على نفسه وعائلته وأهله وجيرانه وكل شركاؤه في مدينة يحبوها وتحبهم.

إننا ندعو إلى مفهوم تنموي جديد للمدينة العربية وهو مفهوم المدينة الحية النشطة الإنسانية، وهذه المدينة المفعمة بالحياة هي مدينة تحتضن في شوارعها وأحيائها محاور حركة للمشاة وراكبي الدراجات وهي مدينة مليئة بالفراغات العامة الحدائقية النشطة الجميلة التصميم الجيدة الصيانة وهي مدينة صديقة للطفل والمرأة والمسن وذوي الاحتياجات الخاصة. هذه المدينة الانسانية تعطي الصوت الأول في تقرير مصيرها واتخاذ قراراتها المستقبلية لسكانها ولمجتمعها المحلي.

أنسنة المدن تبدأ بالأنظمة واللوائح بعد دراسة الوضع الراهن وإشراك سكان المدن في صنع مدنهم. فالتصميم التشاركي هو من الوسائل الناجحة في التخطيط وإعادة تطوير الأحياء وهو ما زال مفقودا تماما لدينا. فمن يعرف احتياجات الحاضرة أكثر من سكانها؟

إن الاطروحة تدعو أيضًا إلى استراتيجية شاملة لتفعيل مبادرة حيوية لتحويل مراكز المدن العربية إلى سياقات متحررة من السيارات تعطي الأولوية للمشاة وراكبي الدراجات وشبكة النقل العام المتكاملة المترابطة. ايجابيات هذا التوجه وخاصة من حيث تحسين البيئة والمعيشة ونوعية الحياة وتحقيق التنمية المستدامة وتطوير مدن تراعي الأبعاد البيئية والإنسانية في تنظيمها ومحاور حركتها وفراغاتها وتنظيمها الوظيفي والتشكيلي والجمالي.

من هنا تأتي أهمية دور المخطط في إعادة صياغة المدينة لتستوعب أداءًا بيئيًا متميزًا يتجنب أي مساهمات في التدهور البيئي ويحد من الانبعاثات الضارة وبالتالي يقلل من خطر الإنحباس الحراري، كما أن المخطط مطالب أيضًا بتوجيه نمط الحياة في المدينة المعاصرة نحو التحرك بالأقدام أو بوسائل النقل العام والتقليل من استخدام السيارة التي أثبتت التجارب أنها من أكثر الوسائل إضرارًا بالبيئة، هذه الجهود هي المدخل الحتمي الواجب تبنيه لتحويل مدننا العربية إلى مدن صديقة للإنسان.