نمذجة معلومات البناء «البيم» ومهنة بناء البيوت والمنشآت

تعتبر مهنة بناء البيوت والأبنية والمنشآت الأخرى من أقدم مهن التاريخ كالطرق والجسور، إذ كان المهندس المعماري والإنشائي والمقاول يجتمعون في شخص واحد يُسمّى البنّاء.

نمذجة معلومات البناء «البيم» ومهنة بناء البيوت والمنشآت

تعتبر مهنة بناء البيوت والأبنية والمنشآت الأخرى من أقدم مهن التاريخ كالطرق والجسور، إذ كان المهندس المعماري والإنشائي والمقاول يجتمعون في شخص واحد يُسمّى البنّاء.

بل يجب لفت النظر إلى أن هذه الفكرة العامة كانت موجودة منذ آلاف السنين، وهي متمثلة في الصروح الهائلة ومعجزات العالم القديم (كالأهرامات مثلاً)، فقد ذكر "جورج رايت" في كتابه (الأبنية القديمة في جنوب سوريا وفلسطين): "إن أول دليل حقيقي لمخططات معمارية ومخططات تنفيذية يدوية اكتشفت في الشرق الأوسط، وتحديداً في بلاد ما بين النهرين ومصر، وقد وُضحت فيها تفاصيل الواجهات قائمة على المساقط مباشرة في مخطط واحد، والذي كان أسلوباً رائعاً للمحافظة على التطابق والتناسق بين المساقط والواجهات".

عرف البناء التطور مع الزمن بالطبع سواء في المواد المستخدمة أو آليات وطرق البناء والتصميم والتنفيذ، ومنذ أطل علينا الحاسب الآلي في منتصف القرن الماضي بدأت تطبيقاته تخدم علوم البناء في شتى نواحيها. فقد جاءت برامج الرسم الهندسي الثنائي الأبعاد، ثم تطورت إلى رسم ثلاثي الأبعاد وكانت هذه خطوة نوعية عملاقة. وكان المصمم قبل استخدام الحاسب يحتاج إلى إعادة رسم اللوحة بأكملها حين تكون هناك حاجة لتعديل أو تصحيح خطأ، مما يزيد زمن الإنتاج والكلفة، وبظهور الحاسب الآلي أصبح عمل ذلك سهلاً إلى حد كبير وسريعاً وبكلفة أقل.

يقول الدكتور علي رأفت: "لم تعد الهندسة المعمارية في حاجة إلى الارتباط بالمساقط الأفقية أوالقطاعات والارتفاعات والواجهات لتستبدل الطرق التقليدية في التعامل مع المبنى مــن صورة ثنائية الأبعاد إلى التعامل مع المبنى بالكامل من خلال النموذج ثلاثي الأبعاد".

تطورت برامج الحاسب من تصميم معماري وإنشائي وميكانيكي وكهربائي إلى حساب كميات وكلفة، تخطيط وحساب الجدول الزمني، بالإضافة إلى الإدارة والتواصل المهني ليصبح الحاسب الآلي والشبكة العنكبوتية جزءًا أساسيًا من علم إدارة المشاريع. ولكن ظهرت مشكلة التوافق بين كل هذه التخصصات في المشروع الواحد وإنتاجه بشكل كافي لإرضاء مالكه. هنا ظهرت تكنولوجيا نمذجة معلومات البناء (البيم)، والتي شملت مجموعة من التقنيات وأساليب العمل للخروج بنموذج للمنشأ يتمثل فيه جميع المعلومات الفيزيائية والهندسية لكل عنصر يتضمنه المُنشأ.

توافر المعلومات الخاصة بمكونات المبنى، وطرق إدخالها على الحاسب، وطرق إظهارها، هي السبب الرئيسي لتطور برامج الرسم الهندسي من مرحلة الرسم ثنائي الأبعاد إلى مرحلة الرسم ثلاثي الأبعاد وصولاً لمرحلة نمذجة معلومات البناء (البيم). إن المعلومات ومتغيراتها وآلية التحكم بها هي الوسيلة لتحقيق فكرة تقليل الوقت والكلفة، وأيضاً متابعة صيانة المنشأ بعد إتمامه، إذ يقول "نورمان فوستر" نفسه: "كيف نجد الأقمار الصناعية من حولنا والتكنولوجيا التى ذهبت بالإنسان إلى القمر دون أن نستخدمها".

ولا شك أن التكنولوجيا أثرت على أعمال المعماريين الكبار يقول كريس آبيل، "هل لو وجد المعماريان نورمان فوستر وفرانك جيرى في عصر العمارة الرومانية كانت ستختلف أعمالهم؟ ويجيب هو عن هذا التساؤل: من الواضح أن فكر نورمان فوستر وفرانك جيرى الإبداعي هو الذي ميزهم، وأنه كنت أتوقع أن أعمالهم لو كانت فى العصرالرومانى فإنها كانت ستجد طريقها للتميز عبر معالجة الفراغات وأساليب الإضاءة المبتكرة والحلول الخارجية للكتل".

وفكرة (البيم) في واقع الأمر قديمة ولكنها لم تكن تحت هذا المسمى، فمنذ بدأت طرق المحاكاة بالتطور، خاصة بظهور الحاسب بدأ العلماء والمبتكرون بتطبيق تلك الطريقة في تصور عملية البناء ومحاكاتها منذ البداية وحتى النهاية، بشكل يماثل الحقيقة لكنه يعرضها مسبقاً ليعطي فكرة مُصوّرة لفريق التصميم والبناء عن عملية بناء المشروع وكيفية إجرائها.

كانت فكرة (البيم) تواجه تحديات كبيرة، منها تشارك وتداخل كميات هائلة من المعلومات لعدة جهات تخصصية كالتصميمات المعمارية والإنشائية والميكانيكية والكهربائية والصحية، مع المواصفات، مع الأبعاد الثلاثية، مع الكلفة، مع الجدول الزمني .... وغيرها من المعلومات الأخرى.

الفكرة كان لابد لها من أرضية قوية لتحمّلها ودعمها، تمثلت تلك الأرض الصلبة في البرامج الحديثة للبيم، التي تطلبت بدورها أجهزة حاسب قوية، وإتصال دائم وقوي بالشبكة العنكبوتية لإستيعاب ذلك الكم الهائل من المعلومات، والسماح بانتقالها بشكل مناسب وسريع بين المشاركين في عملية البناء لتأدية الغرض منها.

هكذا تطورت أنظمة (البيم) لتصبح شبكة ضخمة تُسيّر وتوجه المعلومات حسبما يوجهها مستخدمها لتؤدي خدمة ما كان الجيل السابق يحلم بها. فالمستخدم يمكن أن يرى كل قطعة وكل جزء من البناء بشكلها وحجمها ومواصفاتها الحقيقية توضع في مكانها، ويرى تشابكها وتكاملها وتقاطعها مع أجزاء المبنى الأخرى وبنفس التسلسل الزمني، وهذا ما فتح آفاقا جديدة لإكتشاف المشاكل والعيوب والتداخلات، وبالتالي أعطى الفرصة لفريقي التصميم والبناء لتفادي هذه المشاكل، ولتحسين التصميم وطرق البناء قبل أن يبدأ المشروع.

هل نعتبر (البيم) نهاية ما يمكن أن يطوره الإنسان في علم البناء؟

بالتأكيد لا، يقول دكتور علي رأفت: "إن تخيلنا عن العمارة أنها ارتبطت بالوسط المتاح لنا التعبير به لنقل أفكارنا للمتلقى وللتنفيذ. وقد بدأ هذا الوسط ثنائي الأبعاد على شكل مساقط وواجهات تخرج ميكانيكيًا أو باليد. المستندات تسلم للاستشاريين للمراجعة والتحديث، والرسومات كلها فى حدود برواز ثابت ثنائى الأبعاد. جميع الطرق أصحبت الآن طرقًا قاصرة في التوضيح. وقد استفادت العمارة من التقدم الهائل الذي حدث فى مجالات الحاسب الالي فى النصف الأخير من القرن العشرين".

إن (البيم) هو محطة مهمة أدت خدمات جليلة يجدر بنا الاستفادة منها قدر الإمكان ولكن العلم لا يتوقف حتى يرث الله الأرض وما عليها، وكلما تعلم الإنسان كلما اتسعت مداركه وصار بإمكانه أن يقدم خدمات أكبر للإنسانية، وهذا ما أراده الله تعالى لنا من أن نستزيد من العلم لنخدم البشرية عندما قال تعالى في القرآن الكريم:

«قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» سورة الزمر "آية 9".

ومن خلال هذا الموضوع نتمنى أن نشارك ولو بالقليل في هذا المجال السريع النمو، والمساهمة بتطبيقه في منطقتنا العربية، فنحن بحاجة لذلك فعلاً. يقول بول واليت، المدير الإقليمي لشركة تيكلا الشرق الأوسط "تشهد مسألة الابتكار ضمن قطاع التشييد والبناء تحولاً كبيراً في منطقة الشرق الأوسط، وباتت المشاريع العملاقة التي تذخر بها المنطقة مثل معرض إكسبو العالمي 2020 في دبي وبطولة كأس العالم لكرة القدم في الدوحة تفتح آفاقاً جديدة لمجالات التصميم. ويأتي التفويض الحكومي للتوسع بتطبيق برمجيات نمذجة معلومات المباني ليؤكد على رغبة منطقة الشرق الأوسط لتكون على قدم المساواة مع مراكز الابتكار العالمية المتقدمة في مجال البناء والتشييد. انطلاقًا من برمجيات نمذجة معلومات المباني مروراً بالتقنيات ثلاثية الأبعاد (هوروجرافيك)، وصولاً للبرمجيات الخاصة بإدارة العقارات سنعمل على توفير أفضل الممارسات التقنية التي تساعد شركات البناء والهندسة في الشرق الأوسط على تحقيق المزيد من الإبتكار والتميز".