"البيت هو المأوى، هو هذا الجسد الذي يغلفنا بداخله من كل جانب ويحمينا" .. عالم النفس جان-لويس لوران كشف لنا وباء كورونا هشاشة ما ننتجه من مساكن أو بالأحرى أماكن لإيواء البشر. لقد اضطر الملايين حول العالم إلى الاستجابة للنداءات الصارمة بضرورة الوجود في منازلهم وقاية لهم من العدوى بفيروس لم يكتشف علاج له بعد. وحتى بعد اكتشاف العقار وبدء حملات التطعيم حول العالم، مازالت الدعوات للتباعد الاجتماعي ولإطالة فترة الإقامة في المنازل مؤثرة.
"البيت هو المأوى، هو هذا الجسد الذي يغلفنا بداخله من كل جانب ويحمينا" .. عالم النفس جان-لويس لوران
كشف لنا وباء كورونا هشاشة ما ننتجه من مساكن أو بالأحرى أماكن لإيواء البشر. لقد اضطر الملايين حول العالم إلى الاستجابة للنداءات الصارمة بضرورة الوجود في منازلهم وقاية لهم من العدوى بفيروس لم يكتشف علاج له بعد. وحتى بعد اكتشاف العقار وبدء حملات التطعيم حول العالم، مازالت الدعوات للتباعد الاجتماعي ولإطالة فترة الإقامة في المنازل مؤثرة. ومن رصد حالات المساكن في معظم دول الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وحتى بعض مقاطعات أوروبا وولايات أمريكا، يتبين أن الغالبية العظمى منها صممت ليس لتكون سكنًا وملتقى عائلي وأحيزة مفعمة بالمعني والقيمة والدفء.
فيروس كورونا كاشف لجرائم تصميم المساكن التي يحشر فيها البشر لأسابيع و هي بالكاد تصلح للنوم، وهنا يصبح من الجوهري أن ندعو الى إعادة النظر في مناهج التخطيط و التصميم المعماري والاستثمار العقاري ومشروعات الyسكان في حقبة ما بعد جائحة كورونا.
هنا تأتي أهمية أنسنة المسكن أو تحويل الفضاء المادي للبيت إلى فضاء إنساني لممارسة الحياة. لقد نبهنا فيروس كورونا إلى أن معظم ما صمم من مساكن هو أحيزة نفعية لا تحتمل دفقات الحياة فقد كشفت أزمة كورونا أن الكثير من الوحدات السكنية في العالم العربي هي فضاءات طاردة ولذلك يعاني الكثيرون من أزمة الاحتباس داخلها وتعاظمت المعاناة حين كانت العزلة داخلها هي الخيار الوحيد المتاح أثناء فترات الانغلاق الكامل.
إن فكرة أنسنة المدينة وتحويل فضاءاتها إلى أماكن صديقة للإنسان نوقشت بعمق إقليميًا وعالميًا، إلا أته يبدو أننا لا يجب أن نتوقف عند أنسنة المدينة ونمتد بالجدلية إلى أنسنة المساكن، يجب على المعماريين في حقبة ما بعد كورونا طرح حزمة جديدة من التساؤلات عن أنسنة المسكن على أنها جزء من عملية أشمل هي أنسنة المدينة العربية. هذه الانسنة مرتبطة بقدرة فضاءات المسكن المختلفة على تخفيف العزلة وتحقيق التفاعل الاجتماعي العائلي والتواصل مع الطبيعة والفضاءات الخارجية شبة العامة والعامة. لقد أصبح الكثيرون في العالم العربي يتباهون بأنهم يسكنون فيما يشبه القلاع المغلقة المحاطة بالأسوار والمنفصلة تمامًا مستقلة عما حولها، ثم يخففون من حدتها ويسوقونها بتعبير "المجتمعات المغلقة".
إن قدرة المنازل على احتواء الناس داخلها ولوقت طويل لم تختبر أو تعامل على أنها معيار تصميمي مهم ومؤثر حتى حدثت الاستفاقة مع انتشار الوباء وضرورة العزلة، لقد اكتشفنا أن المنزل حتى المتسع الذي لا يحتوي على شرفات متسعة أو حديقة مبهجة أو سطح جميل، هي أماكن للمعاناة في أوقات الحجر المنزلي، مطلوب في مساكن ما بعد كورونا تقديم طرحًا مغايرًا يتجاوز القولبة الميكانيكية ويفرز أفكارا ومداخل مبدعة لتحويل المساكن إلى ملتقيات إنسانية عائلية تلهم من دروس الماضي ولا تتنازل عن معطيات العصر. لقد أوضحت العزلة الإجبارية للملايين وخاصة في سياق المدن الشرق أوسطية حتى الغنية منها مثل مدن الخليج، أن المساكن تفتقد فضاءات تكثيف الحياة، تفتقد الحدائق، تفتقد السطح المبهج وتفتقد النافذة البديعة وتفتقد الشرفة الجميلة. نحن نحتاج إلى إعادة فهم قيمة وجماليات المكان وخاصة في المسكن و إدراك الفارق بين المسكن ككيان مادي مصنوع وبين المسكن المحمل بالعواطف والا=أحلام والذكريات.
لقد تأمل المعماري المصري الراحل الرائد حسن فتحي وهو يبدي إعجابه الشديد بمقولة أحد أبطال رواية القلعة للأديب أنطوان دو سانت أكزوبري حيث يقول شيخ الطوارق في الصحراء "منزل أبي الذي كل خطوة فيه لها معني". ما أبدع هذه المقولة التي تعبر حقيقية عن نظرة أعمق للمسكن من مجرد غلاف للحماية إلى نطاق إنساني وحيز عاطفي مسكون بالبشر ومسكون أيضا بالمعاني والمشاعر والأفكار.
"أن منازلنا المتعاقبة لا تختفي أبدًا، نغادرها من دون أن تغادرنا، لأنها تعيش بدورها، حاضرة ولا مرئية، في ذكرياتنا وأحلامنا" .. ميشال دي سيرتو – كتاب اختراع اليومي
وقد أكد الوباء، أكثر من أي وقت مضى، مدى ارتباط الإسكان ارتباطاً لا يتجزأ بالصحة والحياة، وقد أبرزت أهمية المنزل كمكان للسلامة والعمل والتعليم والأمن الحاجة الدائمة إلى العثور على ظروف سكنية جديدة بعد تجارب متميزة من الناس الذين يعيشون في عزل منزلي مطول بدأ كأيام محدودة سرعان ما تطورت وامتدت إلى أشهر في المدن في جميع أنحاء العالم . إن العديد من الأسر أعادت اكتشاف العناصر المكانية لمنازلها وإعادة ترتيب أولوياتها، وجاءت هذه العملية نتيجة للحاجة إلى القيام بأنشطة أساسية متعددة جديدة على المنزل بما في ذلك العمل والتعليم والترفيه، ومن ثم، فقد تبلورت المرونة الوظيفية في المنازل كجانب مهم.
وبخصوص فكرة المنازل كأماكن عمل، بالنسبة للكثيرين، المنزل هو مكان العمل الجديد خلال عصر جائحة كورونا ويتم الترويج لهذه الظاهرة أيضًا باعتبارها الوضع الطبيعي الجديد الذي يجب أن نعتاد عليه. عشرات الآلاف من المعماريين العرب من المفترض أن تكون لديهم الطاقة والقدرة لتقديم طرحًا مغايرًا يتجاوز القولبة الميكانيكية، ويفرز أفكارًا ومداخل مبدعة لتحويل المساكن إلى ملتقيات إنسانية عائلية تلهم من دروس الماضي ولا تتنازل عن معطيات العصر.